التزام الحُكْم بالتحرير والاعمار يتطلب صَبراً


بقلم العميد منذر الايوبي*

إمتلك المؤمنون من الاديان الثلاث قناعة ان الحياة نعمة إلهية كما هو الموت درب لقاء الله؛ ليكون الإستشهاد قناعة تضحية ونكران ذات لا مشروع قداسة. ان يُقَدم الانسان ذاته للخالق فلأن محبته اولى من جنة الحياة، لكن العقل يقول كما الدين ان الشهادة ليست أمرآ مُرتجى ولا تُثير حَيرَّة هي درب حقٍ في لحظاتِ صراع بينه والباطل.. قد يجد الانسان في الشهادة ذاته كَفُ خُزيٍ حَوْزُ قُدرّةٍ على الرحيل إنطلاقآ من رِفعة قضيةٍ او سُمو واجِب ليُصبِح مثالآ، مِنه عِبرةٌ وزادُ تأمل..

حُرمَةُ الموت تُحتَرم، هُنا لا شماتّة هي من صِفاتِ أهلِ الفِسقِ وآفاتِ اللِسان، اصلها فرح العَدو بِبَليَّةٍ تُصيبُ من يُعاديه، كما الموت ليس مساحة تصفية حسابات إذ الفناء ينتظرنا جميعآ.. اما لِزامُ العزاء فأعظمُ هديةٍ غِلافُها واجِبٌ انساني يُنَقي طرفيه من حقدٍ وغِل، لُبُهّا إحتواءُ حُبٍ كثير ومن التسامُحِ فَيضُ أخلاق..

خَوضُ غِمار الحرب لِهَدفٍ سامي ربما أمر مرغوبٌ لكنه ضمن إضطرار، مرهون بالعزيمة كما بحجم التضحيات؛ لا يكفِ ان يرضى الناس وجوبها في لحظة من حماس او تَشَفٍ وإنقياد، فمعاناتهم ألمٌ عظيم وشهدائهم تضحيةٌ عُظمى لهم منها فقدان احبة وعوائل، هؤلاء لا يجب ان يُمتحنوا في لحظات المصير عن بِرٍ ووفاء من قادةٍ بل من اللهِ إن دعىَّ الداعي ..

وحدة اللبنانيين مَنجاةُ محنةٍ كُبرى؛ مَن صَلَب المسيح لا يمكنه غسل يداه في مياه نهر الاردن او من خوابي قانّا الجليل، فدماء الابرياء عالقّة تؤرق ضميره تُعذب ذاته آناء الليل وأطراف النهار ولو أنكَر.. ثُم أن التواطؤ مع المُجرم خيانة امانة كما الصمت او التجاهل جناية، طعنٌ بالحقيقة الإلهية لهذا لا نحتاج شهادةً عندما يتواجه الحق والباطل.. فكما رؤية قيامةُ الفادي امر غير مُتاح إلا من عُمقِ البصيرَّة كذلك لم يَشهدُ احد رؤية الاسراء والمعراج هنا يُكتَفى بالإيمان ولا شيء غيره..!

لبنان وإن تعرض لخطرِ اعدائه وطغّيان مُحتل ملاذه وجوب المقاومة، لكنها شراكةُ قَرارٍ مع اهل البيت من دولةٍ وشعب ليكون أمرهم شورى بينهم منهجٌ تفيضُ به الآيات والسُنَن.. عندما اكد المصلوب على خشبة انه طريق الحق الوحيد اكد حاملي كلمته ومُعتنقي رسالته الرُسُل الإثنى عشر ان الخلاص دربُهُ الإيمان ليصبح مصيرهم مشابهآ لمصير معلمهم، لتواجه شهادتهم شهادة مُعاديهم يَهود وكَفَرة ليُفضح الظالِمون عما ارتكبوا ..!

ثم ان الشهادة في الاسلام شرف واصطفاء رباني، تعددت اسبابها وصنفت ثلاث اعظمها واولها شهيد الدُّنيا والآخرة هو “الَّذي يُقْتَل في المعركة والدفاع عن الأوطان او الدين” -الدِفاع لا غير؛ رواّه أبي موسى الأشعري- وتسمى الشهادة الحقيقية.. هنا ثبوت فريضة الجهاد بالدفاع على غير ما يَعتقد كثيرون، ليس إعتداءً على احد بل الوسيلة الاخيرة بعد استنفاذ كافة الوسائط السلمية وطرق التفاوض لرفع الظُلم وَرَدِ العدوان في مواجهة الظالم..

وجود المشروع الصهيوني وما نتج عنه من مذابح مَرُ عقود بحق اهل الارض يُشَرعِنُ ويُشَرع باب المقاومة والجهاد، هكذا نفهم فيمن يجوز قتالهم ليس لِمسعى هداية الى الدين الحنيف او لكفرهم إنما لظلمهم وعدوانهم..ورد في الآية الكريمة (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) لذا فهو سُبحانَه اعلمُ بِمَن يستحقُ الهِداية ومن يستحق الغِوايّة..!

حصريّة السلاح افرزت شَرخّآ كبيرآ من نِقاشٍ ورفض على الدولة رَدمه، هي إمتياز فعلي وقانوني وتَفويض في آن لأولوية السلطة ان تحفظ سيادة وتحمي كرامة شعب؛ تجسيد وتنفيذ لمواد الدستور بالمنطق المُستَنتج لِحق الدولة في الفعلِ والفاعلية.. تحييد لبنان عن صراعات المحاور وتنفيذ القرار الاممي 1701 بات درب سلامة بالعقل الوطني الواعي بالتلازم مع احتكار الدولة للسلاح إذ لا إنتقاص في ذلك سواءً لِحزب او حركة. من العرفان لشهادة السيد حسن نصرالله التزام منطق الإمام وشجاعته وعليه يُفترض اعادة تقييم الاولويات ومراجعة الاستراتيجيات في ظل المتغيرات الاقليمية والدولية، فالدرب مُيَسرّ واللحظة مناسبة رغم آلامها للعودة الى الدولة اذ لا تقييد ولا تنازل او تحدٍ في ذلك، المطلوب اليوم ليس خفض التصعيد والتحريض المذهبي فقط بل شَبك الايدي لمواجهة التحديات في إعادة الإعمار وبناء لبنان الجديد..

أتى خطاب الامين العام الشيخ نعيم قاسم في حفل التشييع ليعترف بضرورات ما تقدم، بالتالي ليكون عنوان قيادته للمرحلة القادمة، ليُسقط حال التخبُط والارتباك السياسي وجوبه تولي مسؤولية الترميم الاجتماعي والبنيوي بالتوازي مع نقل البيئة الحاضنة للمقاومة الى مرحلة الجهاد الاكبر، جهاد النفس وتربيتها في مواجهة المصاعب والتحديات وهو امر يومي لا ينقطع حتى آخر الحياة.. وإذا كانت مساندة اهل غزة عملآ نبيلآ وراقيآ رغم الأثمان الهائلة فالواجب اليوم مساندة الدولة والمواطنين لبناء مستقبل افضل، طالما تكفل العهد في خطاب القسم والحكومة في بيانها الوزاري مهمة اكمال التحرير وفرض اعادة الأسرى وانسحاب جيش العدو من النقاط الخمس بالعلاج الديبلوماسي والعلاقات الدولية فبعض صَبرٍ يَسير لا يَضير وهو امر محمود..!..

*عميد متقاعد، كاتب وباحث